عبد الملك الثعالبي النيسابوري
229
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
النقصان الكمال ، وكل واد عظيم فأوله شعبة صغيرة ، وكل نخلة سحوق فأولها فسيلة حقيرة « 1 » . وقد يبتدئ العنب حصرما حامضا جاسيا « 2 » ، ثم يخرج الراح التي هي مفتاح اللذات ، وأخت الروح والحياة ، ويكون حشو الصدفة ماء ملحا ، ثم يصير جوهرة كريمة ، ودرة يتيمة ، ويكون أول ابن آدم نطفة ، وعلقة ومضغة ، ثم يخرج منها العالم الأصغر ، والحيوان الأرضي الأكبر ، الذي دحيت له الأرض ، وسخرت له الأنهار ، ومن أجله خلقت الجنة والنار . فصل - قد أراحني فلان ببره ، لا بل أتعبني بشكره ، وخفف ظهري من ثقيل المحن ، لا بل ثقله بأعباء المنن ، وأحياني بتحقيق الرجاء ، لا بل أماتني بفرط الحياء ، وأنا له رقيق بل عتيق ، وأسير بل طليق . فصل في فضل الحمية من رسالة ملاك الأمر الحمية ، فإنه لا يكون قوي الحمية إلا من يكون قوي الحمية ، ومن غلبته شهوته على رأيه شهد على نفسه بالبهيمية ، وانخلع من ربقة « 3 » الإنسانية ، وحق العاقل أن يأكل ليعيش ، لا أن يعيش ليأكل ، وكفى بالمرء عارا أن يكون صريع مآكله وقتيل أنامله ، وأن يجني ببعضه على كله ، ويعين فرعه على أصله ، وكم من نعمة أتلفت نفس حر ، وكم من أكلة منعت أكلات دهر ، وكم من حلاوة تحتها مرارة الموت ، وكم من عذوبة تحتها بشاعة الفوت . وكم من شهوة ذهبت بنفس لا يقوى بها العساكر ، وقطعت جسدا كانت تنبو عنه السيوف البواتر ، وهدمت عمرا انهدمت به أعمار ، وخربت بخرابه بيوت بل ديار وأمصار .
--> ( 1 ) الفسيلة : النبتة القصيرة ، والنخلة السحوق : أي العالية . ( 2 ) الجاسي : اليابس . ( 3 ) الربقة : من الرّبق ، وهو جبل في عدة عرى .